حين تقرأ الآية في سورة النساء:
«يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادكم، للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين»
تتلقفها بعض الألسن في زماننا على أنها حجة جاهزة لاتهام الشريعة بالتمييز ضد المرأة.
لكنَّ من يكتفي بظاهر الحرف، يُضيّع روح المعنى، ويُعمى عن الحكمة التي نُسجت بها أحكام السماء.
أولًا: التفاوت في الميراث ليس قاعدة مطلقة
ليست كل أحكام الميراث في الإسلام تفضّل الذكر على الأنثى، بل العكس أحيانًا.
فلننظر في علم الفرائض:
الزوجة قد ترث الربع أو الثمن، في حين أن الزوج أحيانًا يرث النصف.
الأم قد ترث الثلث في حال عدم وجود ولد، بينما الأب يرث السدس فقط
الابنة الوحيدة ترث النصف، بينما في بعض الحالات الأخ لا يرث شيئًا.
وفي حال مات رجل وترك بنتًا واحدة وأبًا وأمًا، ترث البنت أكثر من كليهما.
فما ورد في الآية "للذكر مثل حظ الأنثيين" هو في حالة محددة: إذا اجتمع أولاد ذكور وإناث، وكانوا هم الورثة المباشرون.
وليست قاعدة عامة.
ثانيًا: الإسلام لا يقسّم المال فقط، بل يقسّم الأعباء
لو نظرنا بعين العقل، سنجد أن الإسلام حين قسّم الميراث، لم ينظر للجنس كعامل تفضيل، بل نظر لـ المسؤوليات المترتبة على كل طرف:
الرجل مكلَّف شرعًا بالإنفاق:
على زوجه، وأطفاله، وأمه وأبيه، وحتى على أخته إن كانت بلا معيل.
إن قصّر، أُثم… وإن أنفق، لم يُشكر، لأنّه واجب عليه.
المرأة غير مكلَّفة بالإنفاق على أحد، لا على زوج، ولا على أب، ولا على ابن.
وإن أعطت، فأجرها تطوّع… لا فرض.
فالذي أُثقل بالواجبات، أعطي من المال أكثر.
والأنثى إن ورثت النصف، فهي ورثته خالصًا لنفسها، لا يطالبها أحد به، ولا يمدّ إليه يدًا.
ثالثًا: العدالة ليست دائمًا مساواة حسابية
كثير من الناس اختزلوا العدالة في جملة واحدة: "التساوي في الكمية"، لكن الإسلام علّمنا أن العدالة الحقيقية هي:
أن تُعطى على قدر ما تتحمّل.
هل من العدل أن يُقسم الميراث بالتساوي بين ذكر عليه واجبات الزواج، النفقة، والسكن،
وأنثى لا يُلزمها الشرع بشيء من ذلك؟
بل إنها إن أرادت مهرًا، دُفع لها… وإن أرادت سكَنًا، أُقيم لها… وإن أرادت نفقة، وُجبت على غيرها.
فمن المنطقي أن يُعطى من يُطالب بالعطاء أكثر، ومن يُطالَب بالنفقة أكثر. المسألة ليست تفضيلًا لجنس على آخر، بل توزيع يتوافق مع التكليف.
فحين يُعطى الذكر ضعف ما للأنثى في بعض حالات الميراث، فذلك لأن التكليف المالي مضاعف عليه، والأنثى في الغالب لا تُطالب بأي نفقة، بل يُنفق عليها وتُكرم بما تأخذه.
رابعًا: حكمة الآية تتجاوز الأفراد… إلى تماسك المجتمع
الشريعة لا تُراعي مصلحة الفرد فقط، بل توازن المجتمع كله.
حين يُعطى الذكر أكثر، فإنه يُطالب بإعالة الأنثى، وبهذا تبقى المرأة مُصانة، غير مضطرة للعمل القاسي لتعيش،
ويُبقي الرجال في دائرة المسؤولية المستمرة، فينهض المجتمع.
ولو سُويت القسمة دائمًا بين الجنسين،
لأُلغيت مسؤولية الرجل تجاه المرأة،
ولصارت النساء يقفن في طوابير الوظائف الثقيلة، والمشاق، والكدّ لأجل رزقٍ يُفترض أن يُكفله لها شرع الله على يد أخيها أو زوجها أو أبيها.
الإسلام أراد أن تعيش المرأة في ظلّ رجل يُنفق عليها لا يُنافسها،
وفي كنف أسرة لا تُحوجها للركض في سوق الحياة الجاف.
خامسًا: ولكن ماذا لو ظلم الرجل؟
هنا نسمع السؤال
وماذا لو أخذ الذكر المال ولم يُنفق؟ ماذا لو ترك أخته بلا عون؟
الجواب: هذا ليس عيبًا في الآية… بل خيانة من المُكلَّف بالتطبيق
كما أن الذي يقتل يُدان، ولا نُلغي لأجل جريمته آية "ولا تقتلوا النفس"،
فكذلك من خان أمانة الميراث لا يُلغى لأجله حكم السماء، بل يُحاسب هو.
الآيات لا تُدان بسلوك الناس،
والميزان لا يُكسَر لأن أحدهم خان الأمانة التي كُلّف بها.
---
✧ ختامًا حين يقسّم الله… لا تُجادل بالقسمة
حين نتساءل عن الميراث في الإسلام، لا بد أن نخلع نظارة الهوى، ونتذكّر أن القسمة جاءت من ربٍّ لا تأخذه لومة في عدله،
ربٌّ يُدبّر الخلق كلهم، ويعلم النفوس، والحاجات، وما تُخفيه الصدور.
فالآية ليست ظلمًا، بل عدلًا يُخالف أهواء هذا العصر،
الآية الكريمة "للذكر مثل حظ الأنثيين" ليست طعنة في كرامة المرأة، بل نظام موزون يعكس توازنًا بين الحقوق والواجبات.
وحين نُسقط أحكام القرآن بعدالة على واقع اليوم، نُدرك أنها ليست أحكامًا جامدة، بل قوانين أزلية تحترم فطرة البشر، وتضبط العلاقات بأقصى درجات الحكمة.

كلام سليم أشكرك عليه لان البعض وانا كنت منهم بدأنا ننسى من أين أتت هذه الأحكام وأنها من الله وإذا اخل الذكر او الأنثى لا يعني ذلك فساد الايه او الحكم حاشاه الله سبحانه وتعالى
من أجمل ما قرأت والله
ما شاء الله بنشوف عدل الله المطلق ونحكي الحمدلله على نعمة الاسلام وكفى بها من نعمة